المقريزي
214
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
حالا منها في ذلك ، ولقد كنت إذا مشيت فيها بضيق صدري ، ويدركني وحشة عظيمة حتى أخرج إلى بين القصرين . ومن عيوب القاهرة : أنها في أرض النيل الأعظم ، ويموت الإنسان فيها عطشا لبعدها عن مجرى النيل لئلا يصادرها ، ويأكل ديارها ، وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السور إلى موضع يعرف : بالمقس ، وجوّها لا يبرح كدرا ، بما تثيره الأرجل من التراب الأسود ، وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفاقي من الحض على العود فيها : يقولون سافر إلى القاهرة * وما لي بها راحة ظاهره زحام وضيق وكرب وما * تثير بها أرجل السائره وعندما يقبل المسافر عليها ، يرى سورا أسود كدرا ، وجوّا مغبرّا ، فتنقبض نفسه ، ويفرّ أنسه ، وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة أرض الطبالة ، لا سيما أرض القرط والكتان فقلت : سقى اللّه أرضا كلما زرت أرضها * كساها وحلّاها بزينته القرط تجلت عروسا والمياه عقودها * وفي كل قطر من جوانبها قرط وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرصافي : ما زالت الأنحال تأخذه * حتى غدا كذؤابة النجم وقلت في نوّار الكتان على جانبي هذا الخليج : انظر إلى النهر والكتان يرمقه * من جانبيه بأجفان لها حدق رأته سيفا عليه للصبا شطب * فقابلته بأحداق بها أرق وأصبحت في يد الأرواح تنسجها * حتى غدت حلقا من فوقها حلق فقم وزرها ووجه الأفق متضح * أو عند صفرته إن كنت تغتبق وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل لأنها دائرة كالبدر ، والمناظرة فوقها كالنجوم ، وعادة السلطان أن يركب فيها بالليل ، وتسرج أصحاب المناظر على قدر همتهم ، وقدرتهم فيكون بذلك لها منظر عجيب وفيها أقول : انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت * بها المناظر كالأهداب للبصر كأنما هي والأبصار ترمقها * كواكب قد أداروها على القمر ونظرت إليها وقد قابلتها الشمس بالغدوّ فقلت :